فسحتي في المرحلة الابتدائية

فسحتي في المرحلة الابتدائية

في عام 1400هـ وأنا في الصف السادس الابتدائي ، ومدرستي من الزنك الحار كنت طالباً في الصف السادس ، وأسرتي في ذلك الزمان لا تملك الفسحة التي أفطر بها في زمن فسحة المدرسة ، فكانت أمي ـ حفظها الله تعالى ـ تخبز لي قرصاً من الخمير المدوّر في الصاج ، وكانت من فيض حبها توسّع في دائرته ، وكانت تعطيني قبل خروجي من البيت ، فكنت أعسر بها من سعة دائرتها أين أضعها من الحقيبة ، ولم أجد بُداً تلك الأيام من وضعها في داخل كتاب الرياضيات أبغض كتاب إلى قلبي إلى اليوم ، كنت أضع ذلك القرص في ذلك الكتاب أولاً لسعته صغّر الله حجمه في القريب العاجل ، وثانياً لكراهيتي فيه ، وكانت هذه الخميرة تعطي نكهة جميلة محببة للطلاب في الصف هي أشبه بعطر الورد في أزمان المترفين اليوم ، وكانت المفاجئة في حصة الرياضيات نفسها عندما أقلّب صفحات كتابي البغيض إلى نفسي فأجد أن كثيراً من الحروف والنقط اختلطت بآثار قرصي الحبيب إلى قلبي فغيّر معلمها ، وبدّل حروفها ، وطمس بعض نقاطها … وكنت ألقى في سبيل ذلك ما ألقاه . ولي وقفة أخرى مع الرياضيات ، لكن ما أود أن أقوله هنا كم كانت المعيشة في تلك الأزمان بسيطة ؟ لقد كان هذا القرص يكفيني يومي ذلك كله ، وكنت أجد له لذة رائعةوكان الإنسان في ذلك الزمان يعيش ظرفه الطبيعي فما كان معي سوى قرص الخمير ، وكان مع بعض زملائي حب ييعه ليشتري به بسكويت القشطة ، وكان مع بعضهم الآخر مبالغ مالية تكفيهم يومهم ذلك ، وما كان بعضنا يحمّل أهله بشيء نظير هذا التفاوت البتة ، وعشنا إلى أزماننا هذا فأصبح الناس يسيّرهم الناس ، والفقير الذي لا يجد لابد أن يستدين حتى يلبي رغبة ولده ، أو زوجه أو بناته ، وكثر التقليد لدرجة أنك تجد البيوت صورة طبق الأصل لا فرق ، فيبدأ فلان ويتبعه الآخرون ، وهي في ازدياد ، وترتّب على ذلك من الديون ما تنوء بحمله الرجال … فكثر سجناء الأموال ، وضاعت الحقوق ، وامتلأت الذمم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ولعل زماناً يأتي بأحسن من هذا الحال . والله المستعان !

الثلاثاء 3/7/1428هـ

شارك بتعليقك